السبت، ديسمبر 05، 2009

اللامركزية والديمقراطية: محاولة تحديد أسباب كارثة جدة وإيجاد حلول له

تمهيد:

ليس مستغربا أن تحدث كارثة طبيعية في أي مكان في العالم، وليس غريبا جدا أن ينتج عنها قتلى ومفقودين... كل هذا وارد، ولعل الجانب الأعظم من قصة الإنسان على هذا الكوكب هو قصة صراع مع هذه الكوارث الطبيعية. الذي بدا غريبا جدا، وغير متوقع، هو كيف أمكن لكمية عادية، أو متوسطة على أكثر تقدير، من المطر أن تحدث هذا الكم الكبير من الخراب في مدينة تصنف على أنها ثاني أكبر مدن السعودية. حوالي مائة قتيل هي النتائج الرسمية المعلنة، والأخبار التي تتسرب من خلف الكواليس تقول إن الرقم أكثر من هذا بكثير... غطت الأوحال شوارع جدة، وتهدمت منازل، وسدت جسور، وملأت رائحة عفن جثث المواشي هواءها. كل هذا في مدينة تنتمي لدولة صنفت من ضمن الدول العشرين الأكبر اقتصادا في العالم!

سياسة الحكومة، التي اعتدناها، في التعامل مع مثل هذه الحوادث هو "التكتم"، وعدم الإفصاح عن حجم الكارثة، وطمأنة الناس بأن كل شيء "تحت السيطرة"، وأن "الوضع آمن وهادئ". حاولت الحكومة إتباع هذه السياسة في الأيام الأولى، لكن وكما نقول في المثل العامي "الشق أكبر من الرقعة".

كانت الصور التي انتشرت في الانترنت، ومقاطع الفيديو على اليوتيوب، تعكس صورة مخالفة لما حاول الإعلام الرسمي تصويره؛ فما لبثت الحكومة ـ عبر أمر ملكي ـ أن اعترفت بأن كارثة ما قد وقعت، بل اعترفت بما هو أكثر: بأنها ليست كارثة طبيعية، بقدر ما هي نتيجة فساد. وبقدرة قادر، بدأنا نرى الإعلام ينشر صور الضحايا ويعقد البرامج التي تدين الفساد، وبدأت تتهاطل المقالات متناولة هذه الطاحونة "الدونكشوتية" الجديدة، التي تحملت وحدها مسؤولية الحدث، أعني بها "الفساد".

حاولت في الأيام السابقة، تتبع ما كتبه المثقفون السعوديون في الصحف حول الحادثة، فوجدت الآراء في غالبيتها تدين الفساد.. لكنها اختلفت في من يتحمل الفساد، هناك من يشير إلى "جهات متعددة"، وهناك ـ كمعظم مقالات جريدة الوطن المملوكة لأمير مكة ـ من حاول تحميل المسؤولية بكل شيء، بهدف تبرئة الأمير من الحادثة، في محاولة وصلت إلى درجة الوقاحة في تحميل الناس جزءا من هذه المسؤولية، لأنهم سكنوا في بطون الأودية، كما تحدث بهذا جمال خاشقجي.

وتم تمرير بعض المصطلحات الغريبة في هذه المقالات، كوصف الأحياء المنكوبة، بأنها "أحياء عشوائية"، لإخلاء مسؤولية أجهزة الحكومة عنها، وكأنها بنيت بلا فسح ولا صك. ووصف الحادثة بأنها كارثة طبيعية... للتقليل من مسؤولية أجهزة الدولة، وفتح المجال لشركات التأمين لعدم تعويض الخسائر.

جاء الأمر الملكي، ليسد الباب أمام هذه المحاولات. فقد وصف الحادثة بأنها لا تصل إلى مستوى الكارثة الطبيعية، ولم يحمل الناس مسؤولية ما حدث، بدليل أنه أمر بتعويضات مالية لأسر الضحايا. هذا الجانب الإيجابي من الأمر الملكي، لكن الجانب السلبي الخطر منه، أنه علق مسؤولية الحادثة في رقبة الفساد، وتم تشكيل لجنة للتحقيق في ذلك. وحتى على افتراض أن الفساد هو المسؤول عن كل ما جرى، فإن تشكيل لجنة يترأسها أمير المنطقة، تعني ضمنيا تبرئته من الحادثة... وتمهيد الطريق لتحميل المسؤولية لبعض مدراء الإدارات وتعويض المتضررين.

أما لماذا اعتبرته أمرا سلبيا وخطرا، فلأن هذه الطريقة التي تعاملت بها الدولة مع هذه الحادثة، لا تفضي أبدا إلى حل للمسألة. بل أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تُطهر بعض الإدارات الحكومية في مدينة جدة من المسؤولين الفاسدين، وتحميلهم كليا جريرة ما حدث وإقفال الملف بعد ذلك نهائيا.

وتشكيل لجنة محددة جغرافيا بنطاق مدينة جدة، وجعل أمير المنطقة رئيسها، يعني أمرين اثنين: الأول، هو اعتراف ضمني بأن المشكلة جزئية ـ محصورة في إدارات مدينة جدة ـ وعارضة لا تمس هيكل الدولة نفسه وبنيته الأساسية. والثاني هو تبرئة الأسرة الحاكمة من تهمة الفساد، وحصرها بمدراء إدارات مدينة جدة.

وهدف هذه الورقة هو محاولة النظر للأمر من زاوية أخرى، زاوية تحمل مسؤولية ما حدث لنظام الدولة نفسه بهيكليته وبنيته الأساسية.. الأمر الذي يعطي معنى آخر للفساد، غير المعنى العرضي والطارئ الذي تحاول الدولة ترويجه عبر إقرار مثل هذه اللجنة، مما يفضي لحلول أخرى تماما، يمكن اختصارها بكلمتين: اللامركزية والديمقراطية.

إن الأطروحة الرئيسة لهذه الورقة، تُرجع سبب ما حدث في جدة إلى مشكلتين أساسيتين في جهاز الدولة نفسه: المركزية والطغيان. وتترعرع هاتان الخاصيتان في كنف دولة لم تحسم مسألة هويتها الوطنية بعد، ويعتمد اقتصادها بشكل رئيس على بيع سلعة واحدة ناضبة، وبهذا يتم تحويل الدولة إلى مرتع خصب لنمو وتشكل الفساد. فالفساد في الدولة ليس مجموعة من الأشخاص، ينتهي عبر طردهم، بل هو يعيد إنتاج نفسه باستمرار داخل الدولة، بحيث يجعلها وكأنها دولة مؤقتة، أو كعكة يتسابق الجميع على الاستفادة من حصتهم منها.

الفساد ـ كما يصفه الكاتب اللبناني جورج قرم بعيدا عن التقويم الأخلاقي ـ هو محض صفقة بين شخصين، يملك أحدهما المال ويملك الآخر السلطة. فيدفع الأول للآخر من المال ما يجعل الآخر يوظف سلطته لمصلحة الأول بما يناقض المصلحة المفترض على هذه السلطة تحقيقها.

وتتحول هذه الصفقات إلى سلوك عام لدى موظفي دولة العالم الثالث، لأنها الوسيلة الوحيدة للإثراء، في ظل غياب الرقابة وسيطرة الدولة على كافة مجالات الثروة ومنافستها للقطاع الخاص في السوق، وعدم تشجيع الأخير، بحيث لا يتشكل إلا طفيليا يقتات على مشاريعها في الغالب.

تزداد هذه الصفقات أهمية عندما تكون مثل هذه الدولة شديدة الثراء. وتصبح هذه "الانتهازية" الوسيلة الوحيدة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي، ويتم تمييعها وإخفاؤها عبر سلسلة من الإجراءات البيروقراطية، بحيث يصعب ضبطها ومراقبتها. بهذا المعنى لا يصبح الفساد اختلالا في اقتصاد البلد، بقدر ما يصبح "رد اقتصادي عقلاني على محيط اجتماعي-اقتصادي، مجرد من منطق وقواعد اقتصادية واضحة" (قرم، الفوضى الاقتصادية العالمية الجديدة).

هذا ليس تبريرا للفساد، بقدر ما هو محاولة لفهم آلياته، فالإدانة الأخلاقية للسلوك الفردي والتهديد الوعظي الديني بالعذاب، لم تغير أبدا من هذا السلوك، كما أن محاولة حله بإنشاء مؤسسات حكومية لمراقبته لم تجد نفعا، لأنه ـ شيئا فشيئا ـ يصبح موظفو القطاع الرقابي الجديد جزءا من الصفقات المعقودة. وهذه البيئة تستدعي العلاقات التقليدية من قبلية ومذهبية ومناطقية، وتحولها إلى علاقات منتجة اقتصاديا، وفي هذه البيئة تتحول "الواسطة" إلى وسيلة ارتقاء اجتماعي واقتصادي ومصدر رزق.

من هذا المنطلق، يصبح تصوير محاربة الفساد بأنه محاربة لمجموعة من الأشخاص الفاسدين، تصويرا خاطئا، أو مبتسرا للفساد. لأن النظام نفسه بمركزيته وطغيانه يهيئ بيئة خصبة لهذا الفساد. فمشكلة الفساد في الدولة مشكلة بنيوية لها أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليست مشكلة أشخاص... يتم البحث عنهم.



1ـ حكاية المركزية والطغيان:

كان قرار نقل كافة الوزارات إلى مدينة الرياض عام 1958، بداية عهد المركزية في إدارة الدولة. فقبل ذلك، كانت الدولة منذ التأسيس وحتى هذا التاريخ، لا مركزية في إدارتها. فكانت المجالس الأهلية والبلدية المنتخبة المنتشرة في الحجاز، وكان نظام "الأمراء والمجالس الإدارية"، الصادر عام 1939 تأكيدا لهذه اللامركزية، فهو يعطي للأمير المعين والمجلس الإداري المنتخب صلاحيات واسعة في منطقته. وكان فقر البلاد، وعدم وجود اتصالات ومواصلات، وعدم وجود حكومة مركزية... عوامل تقف خلف هذه السياسة اللامركزية، التي تترك أمر إدارة المنطقة لأمير يتم تعيينه من قبل الملك ومجلس ينتخب من قبل أهالي المنطقة. وكانت الوحدات الإدارية قبل 1958 متباينة في كل منطقة، فمجالس الحجاز ووحداته الإدارية تختلف عن الاحساء ونجد وعسير... مما يعني أن الملك لم يسع إلى التدخل في طرق إدارة الناس لبلادهم ولم يهتم بتوحيد أساليب هذه الإدارة.

لكن ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1948، وبدأت ترتفع مداخل النفط، حتى شرع الملك عبدالعزيز بتأسيس مجلس للوزراء واستحداث عدد من الوزارات والإدارات الحكومية، كانت كفيلة بالتحول إلى المركزية في إدارة الدولة مع نقل الوزارات إلى الرياض عام 1958 بأمر من الملك سعود.

يمكن ملاحظة ارتباط المركزية بمدى الاعتماد على النفط... فبعد الاضطرابات التي مرت بالدولة في الفترة من 1960-1964، نجد أن نظاما أصدر لإعادة اللامركزية في الإدارة المحلية، وهو "نظام المقاطعات"، الذي يقسم البلاد إلى مقاطعات يتولى كل مقاطعة أمير ومجلس منتخب. لكن هذا النظام لم يطبق ولم تصدر لائحته التنفيذية، وظلت البلاد محكومة مركزيا من قبل مجلس الوزراء والخطط التنموية التي دُشنت في عام 1970م، وبدأت تتوالى.

قادت المركزية والانفراد بالسلطة إلى التنمية غير المتوازنة لمناطق المملكة، فنالت بعض المناطق من المشاريع والثروة أكثر مما نالته أخرى، مما أدى إلى هجرة أبناء المناطق المهمشة للمناطق الأخرى، التي تزايد أعداد سكانها بأعداد هائلة. كما أدت المركزية إلى تنفيذ المشاريع التنموية وترتيب أولوياتها في المنطقة دون الالتفات لمطالب الناس ورغباتهم... والاكتفاء بالجوانب الفنية والإدارية والمالية للمشروع دون الاهتمام بالآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على الناس.

ونستطيع أن نجد انعكاسات هذه الآثار على ما حدث في جدة، فمشاريع الصرف الصحي لم تستطع مواكبة الهجرة المتزايدة إلى جدة نتيجة تركيز التنمية فيها، كما أدت الكثافة السكانية إلى إسكان الناس في بطون الأودية. كما أعاقت المركزية في اتخاذ القرار توفير المخصصات المالية اللازمة لإنشاء المشاريع التي تحتاجها المنطقة لحل مشاكلها، وظلت كل الحلول المقترحة تحت رحمة وزارة المالية التي تتركز فيها كل أموال الدولة.

إن التخطيط المركزي الخمسي الذي تبنته الدولة، قد أثبت فشله... وذلك للأسباب التالية:

أولا، فهذا النوع من التخطيط لا يلتفت للمطالب الحقيقية لأهالي المناطق، وإنما يبني خطته على متطلبات منمطة يفترضها المركز.

وثانيا، أن الدولة تعتمد في مشاريعها وإنفاقها على واردات النفط... مما يعني أن سعر النفط هو المتحكم الرئيسي في مشاريع التنمية لا الخطة الخمسية، وبدا هذا واضحا منذ الخطة الأولى التي أعدت عندما كانت البلاد في أوضاع سيئة بعد حرب 67 وانخفاض إنتاج النفط... فكانت تقشفية متحفظة، لكن الذي وقع فعلا في الفترة 1970-1975م، أنها كانت فترة تنموية هائلة، وذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط عام 1973م. وكانت الخطة الأولى قد وعدت بإنهاء الاعتماد على النفط كمصدر أساس للثروة خلال عشر سنوات أو أكثر قليلا، وها نحن قد أكملنا 40 سنة وما زال النفط المتحكم الرئيس في اقتصادنا.

ثالثا، إن التخطيط المركزي يجعل الدولة هي الأداة التنموية الرئيسة، مما يعني تضخم الدولة ومزاحمتها للقطاع الخاص، والحد من دوره، وعدم إعطائه الفرصة لتكوين لتشكل قطاع خاص منتج ومسؤول وقوي قادر على تحمل مسؤولياته وواجباته.

رابعا، يتولد عن تضخم الدولة كل مشاكل وعيوب البيروقراطية من بطء إجراء المعاملات وتنفيذ المشاريع، وتحول أجهزة الدولة إلى بيئة خصبة للفساد الذي شرحناه سابقا.

إن المركزية في الإدارة قد تكون نافعة في البلدان ذات المساحة الجغرافية البسيطة، لكنها تتحول إلى أزمة إدارية في المساحات الهائلة، لأنه مهما كانت الثروات التي تملكها الدولة ومهما كانت الكفاءات التي تدير البلاد، فلن يمكن إدارة بلد كبير بحجم المملكة ـ تعادل مساحته ثلث أمريكا وثلثي أوروبا ـ مركزيا، إدارة توازن بين المناطق وتستجيب لمتطلبات الناس وحاجاتهم الحقيقية.

وتزداد المركزية سوءا وتأزما، عندما يكون الإعلام مكبلا، ولا يكون هناك أي مشاركة في اتخاذ القرار ولا مراقبة من قبل أصحاب الشأن. غياب المراقبة والمحاسبة والإعلام المفتوح والحر، يزيد من تهيئة البيئة المناسبة لانتشار الفساد وتضخمه، بالشكل الذي يجعل تكرار ما حدث لجدة أمرا واردا وغير مستغرب، إن لم تتم معالجة المسألة من جذورها.

امتدت سنوات المركزية منذ تأسيس مجلس الوزراء حتى 1992، عام إصدار نظام المناطق. نص هذا النظام على تقسيم البلاد إلى 13 منطقة، وجعل لكل منطقة أمير ومجلس منطقة معين. كان هذا النظام مترافق مع صدور النظام الأساس للحكم، ونظام مجلس الشورى.

تعتبر هذه القوانين من حيث الشكل خطوة نحو اللامركزية والمشاركة في اتخاذ القرار بعد عقود من انفراد مجلس الوزراء بإدارة البلاد، لكنها عمليا لم تنجز شيئا. فما زالت الوزارات تقوم بأعمالها في جميع المناطق دون الالتفات لأمراء هذه المناطق ومجالسها. وما زال مجلس الوزراء يسن قوانينه وينفذها، دون أن يلتفت لمجلس الشورى، الذي تحولت عضويته إلى خاتمة تشريفية ونهاية حياة لعتاة البيروقراطية السعودية.

وما زالت البلديات والأمانات مرتبطة بوزارة الشؤون البلدية والقروية، التي حاولت الاستفادة من بيوت الخبرة العالمية، وطلبت مشورة مؤسسة ماكنزي، التي نصحتها بالاتجاه نحو اللامركزية في الإدارة، وذلك عبر إيجاد ست إدارات مختلفة في أرجاء المملكة. وهذا ما حدث فعلا، فقد تم إنشاء 6 مديريات للشؤون البلدية والقروية، لكنها لم تعط من الصلاحيات ما يحقق معنى اللامركزية، وظلت مرهونة في ميزانيتها ومشاريعها لما تمليه عليها الوزارة.

فحسب نظام المناطق، يقوم مجلس المنطقة الذي يرأسه الأمير وتتشكل عضويته من مدراء الإدارات الحكومية ومجموعة منتقاة من الأهالي، بترتيب احتياجات المنطقة ورفعها إلى الوزارات. لكن المشكلة تنبع من أنه لا يوجد في النظام ما يلزم الوزارات بالاستماع إلى مجالس المناطق.

أخيرا، وفي عهد الملك عبدالله، جرى اعتراف بالتقصير في حق المناطق الجنوبية، وتم فعلا اعتماد سياسة التوازن المناطقي في الخطة الثامنة، وتم إنشاء جامعات ومدن صناعية في مختلف مناطق المملكة، ولكن ما زالت المشاريع وتنفيذها وتمويلها رهن للوزارات المركزية في الرياض. وللتخلص من هذا الوضع، لا بد من إجراء تعديلات أساسية وجوهرية على نظام مجلس الشورى ونظام المناطق، بما يحقق إصلاحا حقيقيا في البلاد ومدخلا إلى حل المشاكل وهذا ما نتعرض له في الفقرة القادمة.



2 ـ نحو اللامركزية والديمقراطية:

تركز السلطات والتخطيط والأموال في مركز واحد لا يُساءل ولا يُحاسب ولا يُراقب من قبل المستفيدين والمتضررين وأصحاب الحق، يشكل بيئة خصبة لنمو الفساد واستفحاله. يزداد الفساد نموا وانتشارا كلما تم الابتعاد عن المركز، لهذا نسمع أحاديث غريبة عجيبة، كأن يتم تعيين شخص في مستشفى في الشمال، مستشفى تم رصد ميزانية له وإنشاؤه وبناؤه على الورق، ولكن عندما يذهب صاحبنا للبحث عن هذا المستشفى فإنه لا يجده!

إن مأساة جدة هي نتيجة لخمسة عقود من الإدارة المركزية والانفراد بالسلطة، وكذا لمنع الإعلام من إظهار الحقائق وانعدام الشفافية، إذ تم تحويل جميع الجرائد إلى رهائن للمسؤولين وإعلانات التجار... فلا ينتقد شيء على صفحاتها إلا الإسلاميين والصحوة. وهي أيضا نتيجة لمنع الناس من المشاركة في اتخاذ القرار والمراقبة والمحاسبة.

إن الهدف من التنمية هو رفع المستوى المعيشي الاجتماعي والاقتصادي للناس. فالمواطن هو المستهدف من هذه العملية، وإنشاء المؤسسات والوزارات إنما هو في الأساس من أجل خدمته. لكن هذه المؤسسات البيروقراطية مسؤولة أمام الوزير أو مجلس الوزراء أو الملك.

لهذا فإنها ـ إذا أمنت جانب الإعلام ـ ستسعى لتجميل صورتها أمام من هي مسؤولة أمامه، لا أمام من هي مؤسسة لخدمته. ومن هنا تكون مصالح المؤسسة مختلفة عن مصالح الناس. ويترافق كل هذا مع ما تولده البيروقراطية من سلوكيات قاتلة للإبداع والمبادرة وتفويض الصلاحيات.

ولهذا، فلأجل تفادي عدم تكرار ما حدث لجدة، ولضمان إنشاء المشاريع التنموية الجديدة بشكل لا يحولها إلى مقابر جماعية للناس وجحيم لأموالهم وممتلكاتهم، فإنه لا بد من القيام بخطوات شجاعة على النحو التالي:

ـ كانت وزارة الشؤون البلدية والقروية قديما وكالة ضمن وزارة الداخلية، ولكن بسبب تضخم أعمالها ودورها تم تحويلها لوزارة مستقلة بذاتها. وباعتقادي أنه الأوان قد آن للقيام بنفس الأمر بالنسبة لإمارات المناطق، فلابد من عزلها عن وزارة الداخلية وعن الجهاز التنفيذي للدولة ككل، بحيث يتم تفويض الأمير ومجلسه بصلاحيات تنفيذية وتشريعية ورقابية ـ بما لا يتعارض مع النظام الأساس للحكم وقرارات الحكومة المركزية، على الأجهزة الحكومية الموجودة في منطقته... بحيث يكون المجلس مكونا من رؤساء هذه الإدارات الحكومية، في مقابل مجموعة منتخبة من أهالي مدن ومحافظات المنطقة...

ـ لتفعيل المقترح السابق، لابد من تغيير طريقة توزيع الميزانية، بحيث لا توزع على الوزارات المركزية، بل يتم توزيعها على المناطق، وتكون تحت صلاحيات مجلس المنطقة، بحيث تكون أجهزة الحكومة مسؤولة أمامه.

ـ إلغاء مناصفة المجالس البلدية، وجعلها كليا منتخبة، وإعطاءها صلاحيات حقيقية، تمكنها من مراقبة ومحاسبة الأمانات والبلديات على أعمالها، وتحقيق مطالب وطموحات الناس المراد توفير التنمية والرفاهية لهم.

ـتحويل مجلس الشورى من كونه جهة استشارية غير ملزمة، إلى جهة تراقب وتحاسب الجهاز التنفيذي على عمله.

ـإنشاء صحيفة وإذاعة وموقع الكتروني وقناة خاصة بكل منطقة، ذات هامش حرية عالي في انتقادها للمشاريع والظواهر الاجتماعية في منطقتها، ويتم تمويلها من مجلس المنطقة أو/و ضرائب دخل على أصحاب الأعمال في هذه المناطق، بحيث تكون القاعدة الإعلامية: كلما كان دخلك أكثر، كلما كان تمويلك للإعلام الموضوع من أجل مراقبتك أكثر. لا كما هو الجاري الآن: كلما كانت إعلاناتك في الصحف أكثر كلما كان ذلك مانعا من انتقادك.

هذه الاقتراحات هي مجرد اجتهاد، الهدف منها هو الوصول إلى اللامركزية والمشاركة في اتخاذ القرار، لأن صاحب الشأن والمستفيد هو أكثر الناس حرصا على أن تنجز المشاريع بأسرع وقت ممكن وبأعلى كفاءة ممكنة.

وهي اقتراحات تتناول الإدارة المحلية للدولة والعلاقات بين إدارة المناطق والحكومة المركزية، فهي لم تتدخل في حدود سلطات الملك ولا في السياسة الخارجية ولا في قرارات الحرب والسلم ولا في قرارات عقد المعاهدات الدولية.

والاتجاه نحو اللامركزية والمشاركة في اتخاذ القرار، سيستنفر جهود الناس وإبداعاتهم، وسيحرك الركود الذي يعاني منه القطاع الخاص، مما سيقلل من أعباء الإنفاق الحكومي في النهاية، وسيقلل من معدلات الهجرة، وسيحجم كثيرا مجالات الفساد ومساحاته.

وهذه المطالبة، ليست بشيء جديد لم تعرفه المملكة من قبل، بل كما أوضحنا، كانت المملكة لا مركزية، وكان اتخاذ القرار مشتركا بين الحكومة والناس. كان يحدث هذا عندما كانت الأمية مستفحلة ونسبة التحضر لا تتجاوز 10 بالمائة من الدولة، فما الذي يمنع تكرارها الآن والأمية تكاد تتلاشى، وأغلب الناس قد تحضرت وتعلمت؟

الجمعة، أكتوبر 23، 2009

حرب المتعة

إن الذي ثبت من خلال الصراعات الأخيرة بين ما يدعى تيارات سعودية - في حين أنها لا تعدو كونها إدارات حكومية متضاربة الاهداف- هو أن القيمة التي يتم الصراع عليها هي قيمة "المتعة".
ببساطة: هناك من يريد أن تكون البلاد ممتعة أكثر، وهناك من يرى أن علينا أن نكون زهادا.
"زيادة المتعة" هو الحل الذي يلجأ إليه التيار الأول لحل كافة المشاكل. فحل مشكلة التحرشات الجنسية والشذوذ والاغتصابات هو "فتح الملاهي الليلية وشرعنتها"، وحل تدني مستوى التعليم "عدم الاختلاط"، ولا يقاوم العنف إلا بالموسيقى والسينما..إلخ
في حين أن "زيادة المتعة" هي السبب في كل المشاكل السابقة، فلولم تكن هناك فضائيات وفنانات كاسيات عاريات لما كان هناك اغتصاب، ولو لم تتبنى الدولة العديد من المتع المحرمة، لما كان هناك عنف..

وبين هؤلاء وأولئك، تنحر قيمة العدالة... ولا يؤبه بكافة أنواع القهر المحيطة بنا.

السبت، سبتمبر 05، 2009

الكتاب السابع: حماس- الفكر والممارسة السياسية

(٧)
حماس- الفكر والممارسة السياسية
تأليف/ خالد الحروب
مؤسسة الدراسات الفلسطينية
عدد الصفحات: ٢٨٢ ص


انتهى خالد الحروب من كتابة هذا الكتاب عام ١٩٩٦، أي تقريبا قبل ١٣ سنة من الآن. وفيه يقوم بدراسة "حركة المقاومة الإسلامية (حماس)" في الفترة الواقعة من التأسيس عام ١٩٨٧ إلى أوائل عام ١٩٩٦. ينقسم الكتاب إلى ٦ فصول مع ملحق فيه عدد من الوثائق... بعضها ينشر لأول مرة. واعتمد الكاتب في بحثه على عدد من وثائق التنظيم ومقابلات خاصة مع رواده.
وقبل الدخول في محتوى الكتاب، لابد من الإشارة إلى أن هذه الفترة شهدت تحولات كبيرة على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية ككل: شهدت انتهاء الحرب العراقية-الايرانية، وتفكك الاتحاد السوفييتي، واجتياح العراق للكويت، وبدء عملية السلام التي تأسست على إثرها السلطة الفلسطينية... والكتاب يغطي أثر هذه التحولات الدولية على حماس من ناحية الفكر والممارسة.
ما الذي يميز حماس عن باقي حركات المقاومة والفصائل الفلسطينية؟
باعتقادي ثلاثة أمور:
الأول أنها حركة "إسلامية"، والثاني أنها ليست منضمة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والثالث أنها بدأت وتشكلت داخل الأراضي الفلسطينية.. في حين أن الحركات السابقة لها كانت حركات علمانية، تشكلت في الخارج ومارست النضال منه، ومنخرطة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية.

يبدأ الفصل الأول من كتاب الحروب بإعطاء خلفية التاريخية عن حركة "الاخوان المسلمين" في فلسطين منذ نشوءها أواسط الثلاثينيات الميلادية من القرن العشرين وحتي تأسيس حركة حماس.. مستعرضا أهم المحطات والتحولات، ابتداء من أثر حرب ٤٨، وانقسام الإخوان في الضفة وغزة، وخضوع كل فريق منه إلى تأثيرات وعوامل مختلفة أثرت في تطوره. فالاخوان في الضفة الغربية الذين انضموا لأخوتهم في الضفة الشرقية مكونين حركة الاخوان الاردنية، انشغلوا بالتربية والعمل الحزبي ومهادنة النظام الاردني الذي يقعون تحت حمايته، في حين الاخوان في غزة الذين قادوا دفة الكفاح والنضال الفلسطيني حتى انقلاب النظام الناصري على الاخوان عموما عام ٥٤، وانشقاق مجموعة منهم قامت بتأسيس حركة فتح، التي بتأسيسها تخلى الاخوان في غزة عن العمل المسلح منذ ١٩٦٠م... وبات عليهم أن ينتظروا الانتفاضة حتى يعودوا للعمل المسلح عبر تأسيس حماس.
بعد هذه الخلفية التاريخية التي عرضناها باختصار قد يكون مخلا، ينتقل الحروب في الفصل الثاني لتحليل "الرؤية السياسية للصراع". في البداية، يحدد الحروب "طبيعة الصراع" ويرفض حصر رؤية حماس للصراع على أنه مجرد "صراع عقدي"، بل يورد عدد من النصوص التي تؤكد على أن الصراع على الأرض، ومقاومة احتلال. بعد ذلك يبحث الحروب في رؤية حماس لأطراف الصراع، ويلاحظ أنه في السنين الأولى كانت أسطورة "سيطرة اليهود على العالم" مستولية على خطاب حماس. لكن بعد ذلك، تم تطوير رؤية جديدة لأطراف الصراع تسعى لتحديد العدو بأنه الكيان والحركة الصهيونية، معدلة مواقفها اتجاه المؤسسات الدولية وغيرها، وأصبح هناك تفريق بين العدو الرئيسي والقوى المتحالفة معه. وتطورت رؤيتها اتجاه العدو الرئيسي، ذلك عبر التفريق بين الصهيونية واليهودية. بعد ذلك ينتقل الحروب لرؤية حماس لكيفية "إدارة الصراع" فيحدد أهم عناصرها: محاولة التوازن بين المرحلية والتاريخية، الاعتدال في التعبير، عدم الاستعداء الاقليمي والدولي، عدم الانعزال السياسي، المراهنة على الخيار الشعبي.
في الفصل الثالث والرابع، يتناول الحروب علاقات حماس الفلسطينية والخارجية. فيبحث في الداخلية علاقتها مع منظمة التحرير الفلسطيني، وعلاقتها مع السلطة الفلسطينية، وعلاقتها مع الفصائل الفلسطينية، وكذلك مع المسيحيين الفلسطينيين ومع الحركة الاسلامية في اراضي ٤٨. أما في علاقات حماس الخارجية، فيبحث الحروب علاقاتها العربية والاسلامية على الصعيدين الرسمي والشعبي، وعلاقاتها الدولية ويخصص قسما للحديث عن علاقاتها باسرائيل.
في الفصل الخامس المعنون بـ"قضايا في الفكر والممارسة" يبحث الحروب موقف حماس من أربعة قضايا: أولا التعددية السياسية. ثانيا، والانتخابات بأنواعها: أ)الطلابي والنقابي والبلدي. ب) والانتخابات السياسية. ج) وانتخابات الحكم الذاتي في يناير ١٩٩٦. ثالثا، العمل الاهلي الاجتماعي وذلك عبر ثلاثة زاويا: تحصين المجتمع بالتربية الدينية، ومواجهة الاحتلال بتحصين المجتمع، ودور المساجد والمؤسسات الاسلامية. أما رباعا وأخيرا، فهو العمل العسكري وسياسات حماس واتجاهاتها العامة بإزائه.
أخيرا، في الفصل السادس الذي سماه "الخلاصة"، يتحدث الحروب عن ثلاث خلاصات موجزة حول ثلاثة عناوين: حماس على المستوى النظري، وحماس على المستوى العملي، والمستقبل. في العنوان الأول، يشير الحروب إلى عدة سمات: السمة الأولى ندرة التنظير السياسي وعدم تشعب الخبرة السياسية، ويرجع ذلك إلى سببين: الأول هو كون الحركة تشكلت في الداخل الفلسطيني وانخراطها في الشؤون اليومية وعدم وجود جسم رديف لها في الخارج يمدها بالتنظير السياسي، أما الثاني فهو الاعتقالات التي طالت عدد كبير من رجالات الصف الأول والثاني من حماس، مما حال دون مراكمة الخبرات. والسمة الثانية هي أن حماس جزء من المد الإسلامي الذي ازدهر وتنامى منذ السبعينات، مما يصبغها بنفس صبعته وهي الانتشار السريع الذي يتجاوز القدرة على الاستيعاب، ويتجاوز كذلك القدرة على التنظير. مما جعل الخلفية الفكرية الاسلامية التي تنهل منها حماس، خلفية ضامرة لا تتناسب مع حجمها واتساعها.
هذا على الصعيد النظري، أما على الصعيد العملي، فيحاول الحروب رصد أداء حماس ومدى نجاحه مع من حولها. فمع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة يلاحظ أن العلاقة كانت متوترة أيام الانتفاضة، تمر بفترات هدوء نسبي لتصل لقمة التوتر كحملات الاعتقالات بعد سلسلة عمليات فبراير ومارس ١٩٩٦. أما على الصعيد العربي، فحافظت حماس على موقع وسطي مع كافة الدول العربية المحيطة، وكان موقفها في حرب الخليج مختلفا وناجحا إذ طالبت بانسحاب القوات العراقية عن الكويت وجلاء القوات الأجنبية. أما في المجال الدولي فعانت حماس ضعفا بيّنا، كما يصور الكاتب، نظرا لانهيار الاتحاد السوفييتي الذي حول العالم إلى قطب واحد منحاز بكليته إلي عملية التسوية والسلام. ولم يجد محاولاتها المستمرة بوصف ما تقوم به من عمليات عسكرية أنه مقاومة شرعية، بل أصر المجتمع الدول على دمغه بالارهاب. وواجهت حماس بعد قيام السلطة الفلسطينية مأزقا حادا في محاولتها الاستمرار بالعمل المسلح الذي ترفضه السلطة، ومحاولتها تفادي التصادم معها ونشوب حرب أهلية على الرغم من المضايقات الكثيرة التي تقوم بها السلطة. ويحكي الحروب أن حماس نجحت في الجمع بين الخيارين، إلا أن الأحداث الأخيرة - أحداث ١٩٩٦- ستقودها في النهاية لاختيار خيار أوحد، ويرجح الكاتب أنها ستختار التوقف مؤقتا عن العمل المسلح.
أخيرا، وفي الخلاصة الثالثة المعنونة بالمستقبل، رجح الكاتب اتجاه حماس نحو العمل السياسي الصرف وتجميد العمليات العسكرية، وذلك نتيجة الحرب التي تشنها عليها الولايات المتحدة واسرائيل والسلطة والاردن. ويحذر الكاتب من سيناريو تشظي حماس وانشقاق مجموعات عسكرية منها، منذرا بتحول الوضع إلى وضع شبيه بالجزائر، بحيث يصبح العنف غير قابل للتفاهم ولا للتفاوض. ويعلق الكاتب انتعاش حماس ومتابعتها السعي لتحقيق أهدافها بالحركات الاسلامية الاخرى ومدى قدرتها على الوصول الى الحكم في الدول المحيطة ودعمها إياها.

الكتاب لغته هادئة ورزينة، وهو ابن وقته، إذ أن الاحداث التالية التي حدثت كالانتفاضة الثانية والانقسام، بله الاحتراب، الفلسطيني بين غزة والضفة، ووفاة ياسر عرفات والحرب على الارهاب، وتنامي الدور الايراني واجتياح العراق، كل هذه الاحداث أثرت في حماس وشكلها ورؤيتها وخطابها. ولكن على الرغم من ذلك، بل بسبب ذلك، أي بعده عن أجواء الانقسام والمحاور الحالية، لابد أن يقرأ.. وذلك لأن التاريخ يتيح للشخص وضوحا أكثر في فهم المواقف التي تتخذ هذه الايام...

الجمعة، سبتمبر 04، 2009

الكتاب السادس: في الثورة

(٦)
في الثورة
تأليف/ حنة أرندت
المنظمة العربية للترجمة
عدد الصفحات:٤١٤



هذا كتاب لا أستطيع الحديث عنه، كل ما أستطيعه هو قراءته من جديد، قليلة هي الكتب التي في كل سطر منها في كل كلمة تحثك على التفكير وتقوم على هز قناعاتك السابقة كلها.
الفكرة المحورية للكتاب هو التأمل في مفهوم الثورة، على ضوء المقارنة بين الثورتين: الفرنسية والأمريكية. وينقسم الكتاب إلى مقدمة وستة فصول. لن أقوم هنا بعرضها كلها، بل سأكتفي بتلخيص الفصل الأول "في معنى الثورة"، وذكر عناوين الفصول الأخرى.

في معنى الثورة

١

الثورة ليست تغيير، الثورة بداية.
والثورة لم تعرف إلا في العصر الحديث، وذلك لأن شكا كثيرا بدأ يحيط بكون "الفقر" مسألة "طبيعية".
قبل الأزمنة الحديثة، كان كل تمرد وكل انقلاب وكل حرب أهلية، إنما يقوم برفع مجموعة من الفقراء ويحولهم لأغنياء، وكان كل الفاعلين في هذه التغييرات وأعمال العنف، إنما ينطلقون من قناعة أنه لابد أن يكون هناك في النهاية: قلة غنية، وكثرة من الفقراء.
ما هو ذلك الحدث الذي أطلق شرارة الشك بكون الفقر ظاهرة طبيعي غير قابلة للتغيير أبدا؟
تجيب حنة أرندت: استيطان أمريكا. إن تأسيس تلك المستوطنات في تلك الأراضي ذات الوفرة، قد جسد أمام أعين الأوروبيين حقيقة واقعة لمجتمعات لا فقر فيها.
هذه المساواة التي تحققت بشكل طبيعي وعضوي في العالم الجديد، بدا أن تحقيقها في العالم القديم لم يعد ممكنا دون العنف والثورة الدامية!
إن الوصول بنسيج المجتمع للمرحلة التي وصلت إليها أمريكا قبل الثورة الأمريكية، لهو الأمل الذي حرك كل الثوريين فيما بعد، لا النظام السياسي وتغييره الذي حدث بعد هذه الثورة.
لهذا السبب توصل بعض المؤرخين والثوريين لنتيجة قائلة: أنه لم تحدث ثورة في أمريكا.
وهذا الرأي هو الذي تحاربه أرندت، بطريقة مباشرة: أن كل المقدمات التي منها يتم الوصول لنتيجة عدم حدوث ثورة أمريكية، إنما وضحتها حقيقة الثورة نفسها. "ذلك أن الحقائق معاندة، إنها لا تختفي حين يرفض المؤرخون وعلماء الاجتماع أن يتعلموا منها..".
رأي آخر تتصدى أرندت لنفيه، هذا الرأي يقول أن كل الثورات مسيحية الأصل. انطلاقا من كون الجماعة المسيحية الأولى ذات طبيعة ثورية أعلنت مساواة الارواح أمام الله وازدرت السلطات الدنيوية ووعدت بمملكة السماء، الأمور التي بعد علمنتها ستكون منتهى آمال الثوريين. ترفض أرندت وصف الثورات بالمسيحية، لأنه وببساطة "ما من ثورة أشعلت قط باسم المسيحية قبل العصر الحديث".
آخر الآراء التي تناقشها أرندت هو الرأي الذي يقول: أنه طالما أن الثورة: بداية، أي أنها لا تخضع للنظر للتاريخ كدوائر، بل كخطوط مستقيمة، فعلينا الاعتراف بأن هذه النظرة هي نظرة مسيحية للتاريخ، فولادة المسيح قطعت التاريخ بالزمن القديم، وأسست لبداية جديدة. ومن خلال أوغسطين، تعترض حنة أرندت على هذا الرأي، ذلك أن أوغسطين اعتبر حادثة المسيح، حدثت لمرة واحدة وللأبد، ومن بعده عاد التاريخ دائري: امبراطوريات تنشأ ثم تصعد فتضمح فتتلاشى.
إن التغيير في الأمور الدنيوية يعود بجذوره للإغريق. الذين رأوا بأن القدرة عليه، يعود إلى حقيقة مفادها أن الشباب - الذين هم أفراد جدد- يغزون باستمرار استقرار الأوضاع. لكن - بحسب الإغريق- كون الشؤون البشرية تتغير باستمرار، إلا أنها في الوقت نفسه لم تأت بشيء جديد. ومهما كان جديدا هؤلاء الشباب والذين يولدون، إلا أن فعل الولادة نفسه هو نفسه لا يتغير.


٢

الثورة ليست مجرد تغيير، الثورة بداية جديدة. بداية جديدة لتاريخ لم يكن معروفا قبل الثورتين الامريكية والفرنسية.
إن الشيء الحديث، والمميز والجديد في هاتين الثورتين هو "ظهور الحرية"، ولا يمكن التفكير في أي ثورة بدون الانطلاق من هذا التزامن بين بدء تجربة جديدة وبين الحرية.
وقبل أن نحدد معنى الثورة بدقة أكثر، لابد أولا أن نفرق بين "الحرية" و "التحرر". التحرر (liberty) هو التخلص من الاضطهاد، هو التوجه إلى ما صرنا نسميه اليوم بالحقوق المدنية، إلى الحقوق الأساسية الثلاثة التي منها تتفرع كل الحقوق: الحياة، الحرية، الملكية. وأغلب الثورات جاءت من أجل استرداد هذه الحقوق، والاسترداد هنا يأتي بمعنى أنها حقوق تولد مع المرء.. يقول روسو في مقدمة العقد الاجتماعي "يولد الانسان حرا، فيوجد مقيدا في كل مكان". وهذه الرؤية للحقوق، وأنها مرتبطة بالولادة، وأن انخراطنا في مؤسسات اجتماعية وسياسية هو ما يهدرها، فكرة حديثة. فدولة آثينا على سبيل المثال، قامت على فكرة أن الناس غير متساوين، وأنهم حتى يتساوين، بحاجة إلى تنظيم سياسي وقانوني.. وأن الحرية لا تكون بلا مساواة، أو "أن الفرد لا يكون حرا إلا بين نظائر".
هذا التحرر، أما الحرية(freedom)، فهي المشاركة في الشؤون العامة، المشاركة في الميدان السياسي، وهي هنا إيجابية. في حين أن التحرر هو التخلص من الاضطهاد، أي أنه سلبي.
الثورة إذن تشتعل شرارتها الاولى بالعنف. " ولكن العنف لا يكفي لوصف ظاهرة الثورة، وإنما التغيير هو الوصف الأجدر بها؛ ولا يمكننا الحديث عن الثورة إلا عندما يحدث التغيير ويكون بمعنى بداية جديدة، وإلا حين يستخدم العنف لتكوين شكل مختلف للحكومة لتأليف كيان سياسي جديد، وإلا حين يهدف التحرر من الاضطهاد إلى تكوين الحرية." والروح الثورية ليست شيئا سوى التوق إلى "التحرر وإلى بناء بيت جديد حيث يمكن أن تستوطنه الحرية".

٣


لمعرفة بداية ظاهرة مثل الثورة في التاريخ، فإن أحد الطرق المؤدية إلى ذلك هو معرفة اللحظة التي تم توليد كلمة تشير إليها، سواء كانت كلمة جديدة، أو توليد معنى حديث لكلمة قديمة.
عرفت القرون الوسطى العصيان، والتمرد، ولكنها أبدا لم تعرف الثورة. وميكيافيلي، لم يستخدم هذه الكلمة قط. وعلى الرغم من الاضطرابات التي كانت تحدث في وقته في الدول-المدن الإيطالية، إلا أن أيا منها لم يكن ثورة، بمعنى التحرر المتجه نحو تأسيس الحرية. إن تلك الاضطرابات كانت تشير على العكس، إلى نهاية عصر الدول-المدن، لا إلى بداية جديدة.
وعلى الرغم من وجود "كلمات كثيرة في اللغة السياسية ما قبل الحديثة لوصف انتفاض الرعايا ضد حاكم من الحكام غير أنه لا توجد كلمة تصف تغييرا راديكاليا... بحيث يصبح الرعايا أنفسهم هم الحكام".
كانت الانتفاضات القديمة، إن حدثت، تستبدل حاكما سيئا، بحاكم جيد، لكن لم تقد يوما لأن يتحول العامة أنفسهم إلى حكام. كان الشعب في السابق يستطيع تحديد من الذي لن يحكمه، لكنه أبدا لم يحدد من الذي سيحكمه.

٤

على الرغم من كون الثورة بداية جديدة لعالم جديد، إلا أن الرجال الذين قاموا بالثورتين الفرنسية والامريكية، لم تك فكرة الجدة ماثلة في رؤوسهم.
إن كلمة الثورة نفسها (revolution) لا تحمل معنى الجدة، يعود استخدامها الاصلي لدورة الفلك، أي إلى دورات الكواكب التي لا يمكن تغييرها أو تبديلها أو حتى التأثير عليها، وعندما نقلت للمجال السياسي، كان معناها تعاقب الحكومات والدول في دورة لا يمكن للبشر تبديلها وتغييرها. وحتى عندما ثار كرومويل وذبح ملك إنجلترا، لم تسم هذه الحادثة بثورة، بل كانت استعادة الملكية هي التي سميت ثورة.
إن إعطاء القيمة للجديد، بما هو جديد، والبحث عن الجدة لذاتها، لم يكن محببا في الماضي كما هو في أيامنا.
إن رجال الثورات، لم يكونوا يبحثون عن أكثر من "إعادة الأمور إلى نصابها"، كان تفكيرهم معلق في الوراء، إلى محاولة العودة للحالة التي سبقت الملكية المطلقة ومساوءها. إن تحول مسار الثورة من كونها مجرد "استعادة"، إلى خلق جديد، بداية جديدة، إلى قصة لم تكتب بعد... حدث في نقطة في الزمن لم يعد باستطاعة الثوريون العودة إلى الوراء، أي أنها حصلت على الرغم منهم.

٥

قلنا إن الثورة بداية جديدة عنيفة، وقلنا أن كل عناصر البدء والجدة لم تتوافر لا في أذهان القائمين عليها، ولا في الاسم الذي عمدت به. فلماذا يا ترى يسمى البدء الجديد، الخروج عن الدورة نفسها، باسم "الدورة" ؟
لابد للعودة للحظة الأولى التي استخدمت فيه كلمة "ثورة" بهذا الاسم، عندما تساءل لويس السادس عشر عن سقوط الباستيل والاحداث التي تجري حوله: "إنه تمرد"؟ أجابه ليانكورت "كلا يا صاحب الجلالة إنها ثورة".
إن الاستخدام القديم للثورة، بما هي دورة فلكية لا تقاوم، يحمل معنيي: الدوران، والأمر الذي لا يقاوم.
سميت الثورة باسمها، لا لأنها مرحلة من خطة دائرية، بل لأنها نظر إليها على أنها أمر لا يقاوم.
اعتبرت الثورة، كسيل، كتيار جارف، كأمر لا يقاوم، بألسنة الفاعلين فيها، الذين لم يعتبروا انفسهم فاعلين حقا. كان الفاعلين انفسهم يشعرون أن هناك ثمة قوة أعظم من قوة الاستبداد تقف بين المرء وحريته... وكان المشاهدين لأحداث الثورة من بعيد، قد سموا هذه القوة باسم "الضرورة التاريخية".
إن ما خلفته الثورة الفرنسية في الفلسفة، خصوصا عند هيجل، هو أن للتاريخ "قوانين"، لا علاقة لها بما يريده الانسان وما يفعله وما يهدف إليه. ومنذ هيجل، أصبح ظهور نابليون بونابرت، هو قدر كل ثورة.
يقول توكفيل: إن الذي حدث بعد الثورة الفرنسية، أنه لم ينشأ علم للسياسة، بل على العكس نشأت "فلسفة للتاريخ".
وللأسف، كما قول أرندت، أن الثورة الفرنسية هي التي أشعلت العالم، وعلى نسقها سارت كل الثورات الأخرى، بل إن الثوريين اللاحقين أصبحوا ليس أكثر من ممثلين، يحاولون إعادة رسم أحداث الثورة بالتفصيل: العدو الظاهر وراءه عدو خفي تحت قناع "المشتبه به"، وأن الثورة ستنقسم إلى قسمين المتطرفين والمسخطين الذين يعملون معا واقعيا لتقويض الحكومة الثورية، وإن الثورة سينقذها رجل في الوسط لن يكون معتدلا سيقوم بتصفية اليمين واليسار كما قام روبيسبار بتصفية دانتون وهبرييه. كان كل هم الثوريين في الثورات التي أعقبت الثورة الفرنسية هو محاكاة هذه الاحداث لا محاكاة الاشخاص. وأصبحت قصة الثورة الفرنسية هي قصة "الثورة" وولجت إلى أعماق مفهومها، مقصية عنها ثورة مظفرة ناجحة، اعتمدت كليا لا على التاريخ بل على أفعال الرجال الذين آمنوا أنهم متحكمين بمصيرهم، أعني "الثورة الأمريكية".
تقول أرندت " والحقيقة المحزنة في هذا الأمر هي أن الثورة الفرنسية التي انتهت بكارثة قد صنعت تاريخا عالميا، في حين أن الثورة الأمريكية التي كانت مظفرة في نجاحها قد ظلت حدثا لا تتجاوز أهميته المحلية إلا قليلا."

الفصل الثاني: المسألة الاجتماعية
الفصل الثالث: البحث عن السعادة
الفصل الرابع الأساس١: تكوين الحرية
الفصل الخامس: الأساس٢: النظام العالمي الجديد
الفصل السادس:التقليد الثوري وكنزه المفقود

الثلاثاء، أغسطس 25، 2009

مفارقة الدولة القطرية

(٨)


يقول خلدون النقيب عبارة رائعة. يقول: "التخلف الذي تعاني منه الدول العربية هو تخلف خالص لا يمكن تفسيره بالاستناد إلى عوامل مادية ومتغيرات اقتصادية بحتة. فنحن هنا في مواجهة المكون الأهم في المعادلة التنموية، وهو الإرادة السياسية للتخلص من التخلف."

حتى نستطيع استثمار هذه العبارة في بحثنا، علينا أولا أن نعود إلى التاريخ.

قلنا إن الفتى قتل، ولم يقتل أيا كان، بل قتل أختيه، وقتل الاختين ليست مسألة بسيطة، بل تحتاج لمبرر بحجم تحقيق العدالة. والعدالة في التحليل الأخير: قيمة، يختلف تحققها من بيئة لبيئة.

تحتفظ القيمة بقيمتها عندما يكون النظام الذي أنتجها يعيد إنتاجها من جديد، وتكفل شبكة العلاقات الاجتماعية ترسخها واستمراريتها. فبقاء العبودية مثلا في المجتمعات القديمة لم يكن أمرا معيبا، بل كان تقييمه يختلف كليا عن تقييمنا له. وذلك لأن العبودية كانت تلبي احتياجات ضخمة للنظام السياسي والاجتماعي القديم، واحتاجت الولايات المتحدة كي تتخلص منه إلى حرب أهلية ضروس.

قد يكون قتل الاختين فعلا عادلا في مجتمعات قديمة، ونستطيع تفهم مدى عدالته كلما تعمقنا في فهم العائلة الأبوية وطبيعة العلاقات التي تنشأ فيها. لكن الذي يثير استغرابنا هو في "استمرار" كونه عادلا، على الرغم من كل التغيرات الجوهرية التي طرأت على المجتمع العربي. واستمراره هذا هو الذي ندعوه تخلفا، لأنه يصادم ما نعتبره قيما حديثة.

فالسؤال: لماذا يستمر اعتبار قتل الاختين فعلا عادلا على الرغم من زوال كل النظام القديم ومؤسساته؟
نستطيع وضع هذا السؤال نفسه لكثير من الظواهر:
لماذا لا تزال المرأة مهدرة الحقوق على الرغم من تغير النظام؟
لماذا لا يزال العربي لا يحظى بحقوق المواطنة على الرغم من تغير النظام؟

وبصيغة عامة: لماذا يستمر القديم حاضرا على الرغم من زوال مقوماته؟

إن هذا السؤال قد حاول العرب الإجابة عليه كثيرا، لكنهم دائما يقعون في مزالق "جوهرانية". فهناك من يجعل هذا القديم هو جوهر "العرب" وبالتالي هو قدرهم، معهم أينما كانوا. وهناك من يربط بين استمرار القديم باستمرار الدين، فينتهي إلى أن إلغاء هذا القديم يبدأ من إلغاء الدين، آخر يربطه بما يدعوه بالنظام الابوي، وثالث يرجعه إلى "العقل العربي"، ورابع إلى "العقل الاسلامي"....وهكذا استمر العرب في بؤسهم التفسيري منذ منتصف السبعينات وحتى بدايات التسعينات. ولعل "حرب الخليج" كانت هي الصدمة التي جعلت العرب يبصرون مشكلتهم الأساسية.

إنها بكل بساطة "الدولة القطرية".
فالقديم يستمر، لأنه استطاع التصالح مع هذه الدولة القطرية وتشابك معها وباتت تتكئ عليه ويتكئ عليها. القديم بعد "الدولة القطرية" لم يعد قديما كليا، بل تحول وأصبح بامكانه التعايش مع الدولة القطرية.
المجتمع العربي الآن ليس هو هو كما كان أيام الدولة العثمانية، لكنه تحول ليستطيع أن يحافظ على مكوناته ويتأقلم مع الدولة القطرية. أصبح الآن نوعا جديدا، ليس مجتمعا تقليديا تماما، وليس مجتمعا حداثيا تماما، بل هو بين بين، يؤدي مهمتين: يحافظ على بقاء الدولة القطرية، ويحافظ على علاقاته الاجتماعية ومنظوماته الثقافية المنبثقة منها كما هي قدر الامكان.

في الغرب كانت "الدولة" الحديثة، أي نموذج الدولة-الأمة، كانت هذه الدولة قائمة على صراع مع المجتمع القديم بكافة مؤسساته، حطمت القبيلة والعشيرة والاسرة، وأصبحت وجها لوجه أمام الفرد، الذي يتسلح أمامها بحقوق يستحقها إن أدى واجباته، ويحتمي من بيروقراطيتها الممتدة بما يخلقه من مؤسسات مدنية تستغلها الدولة لتمرير ما تريد ويتدرع بها الفرد كي لا تنفرد به الدولة.

حكاية "الدولة" في الغرب، تختلف كثيرا عن حكايتها عند العرب. على الرغم من أن المجتمع العربي التقليدي أفضل بكثير من المجتمع الغربي التقليدي من ناحية وضعية المرأة ومدى استقلاليته وحقوق الافراد فيه ودينه. لكن هذه الافضلية انقلبت نقمة على العرب، إذ أعطت المجتمع التقليدي فرصة ليعيد تشكيل نفسه ويكفل استمراريته دون أن يخوض صراعا مع الدولة القطرية.

استمرار "قتل الاخت"، بل استمرار اعتبار هذا العنف "عدالة"، بل قوننة هذه العدالة في قوانين معظم الدول القطرية العربية، يجد تفسيره في هذا التحديث الناقص، هذا التحديث المشوه الذي أنتج لنا هذه دولة قطرية بهذا الشكل، التي هي لعنتنا وجنتنا في الوقت نفسه.

لكن هذا التفسير ناقص، ولا يجيب على سؤالين مهمين يقع احدهما خارج نطاق موضوعنا ويقع الاخر في صلبه:
لماذا الدولة القطرية لم تخض حربها مع المجتمع التقليدي؟
إن كان التحديث المشوه هو الذي ساعد المجتمع التقليدي على التحول دون أن يفقد شبكة علاقاته الاجتماعية الرئيسية، فلماذا نجد تفاوتا في حدوث جريمة قتل الاختين.. فتكثر في الاردن لتقل في مصر، وتختفي في السعودية لتظهر متأخرة ؟ كيف نفهم هذا التفاوت؟

الإجابة على السؤال الاخير تتضمن بعض الاجابة على السؤآل الاول وهذا ما سنفعله...

الأربعاء، أغسطس 19، 2009

انسانية الغضب

(٧)
قتل الاختين فعل إنساني.

وقبل أن أوضح لأحكي هذه الحكاية: هناك حي في بريدة يدعى "السادة". قبل ١٥ سنة تقريبا، شاهدت رجلا مسنا يصدم بسيارته سيارة مركونة. وككل حادث، تسابقنا وتجمهرنا حوله. لم تحدث تلك الأضرار الكبيرة للسيارة المضروبة، إلا أن صاحبها خرج غضبانا وأشار إلى خدش في الزجاج محملا الشيخ وزره ومطالبا إياه بالتعويض. كان الشيخ بالكاد يستطيع الاستواء واقفا، وبالكاد يتحدث؛ بينما المصدوم لم يترك شتيمة إلا وصبها عليه. أحد المتجمهرين لم يحتمل فهب في وجه المصدوم مبينا أن الخدش موجود قبل الصدمة، وأن لا علاقة للشيخ به.. كان يتكلم وهو محتقن كليا، ما إن دفعه المصدوم وهو يقول: أنت لا شأن لك في الموضوع، إلا وينقض عليه صاحبنا موسعا إياه ضربا..

هل هذا الرجل المتجمهر الذي مارس سلوكا عنيفا: رجل غير سوي؟
وهل إحساسنا الداخلي بأن المضروب يستحق هذا الضرب الذي ناله، هو إحساس إجرامي عدواني؟

إن "دراسة العنف" في الغرب اتخذت مناحي متعددة، فهناك محاولة معرفة أسباب السلوك العدواني من منطلق التحليل النفسي إذ يتم تحميل اللاوعي مسؤولية الاجرام. وهناك محاولة معرفتها من خلال البيولوجيا، ودراسة محفزات السلوك العدواني عند الحيوانات ليتم تعميمها على الانسان. وغيرها الكثير الكثير...

وكل هذه المحاولات تنطلق من مسلمة أن العنف عنصر لا إنساني، يجب تخليص الانسان منه، ولهذا نجد الحساسية المبالغ بها جدا من النظرة لاستخدام الضرب في التعليم والتأديب.

ولكن أليس العنف سببه الغضب؟ أليس الغضب شعور إنساني؟... وألا يعني تجريد الانسان من اسباب العنف، تجريده من إنسانيته؟ -كما تسائلت يوما حنة أرندت-
هل يمكن أن نسمي بشرا تلك الكائنات التي لا تغضب؟

هناك من حاول تصوير قاتل أختيه كمختل، وهناك من رماه بتعاطي المخدرات، وهناك من تعامل معه كمغفل أو أحمق... أي هناك نظرات متنوعة حاولت النظر لهذا القاتل كإنسان بلا عقل. وإزالة العقل عن انسان ما، هو انطلاق من تعريف أرسطو له: كحيوان عاقل، فلا يبقى منه بعد تجريده من العقل سوى أنه حيوان.

فعل العنف فعل انساني. وغالبا يكون مصدره الغضب. العنف ليس فعلا "حيوانيا" أو فعلا "غير عقلاني". إن علينا أن نتأمل جيدا الآلية التي بها يتحول الغضب إلى عنف. قد أغضب من شيء ما وأصب غضبي على جدار حولي، أو اضرب الطاولة بقبضتي، لكن وحده الغضب لأجل العدالة هو من يبعث على العنف.

نحن لا نغضب من الأوضاع العادية أو الدائمة، حتى لو كانت أوضاعا سيئة. الفقير الذي اعتاد على فقره، لا يغضب من هذا الفقر. نحن نغضب - كما تقول أرندت- "فقط حين تكون هناك احتمالات لحدوث تبدل في الاوضاع... لكن هذا التبدل لا يحدث. فقط حين يخدش حس العدالة لدينا، نتصرف بغضب...". يتحول الغضب إلى عنف، لأن في العنف خاصية التعبير الفوري، وحرق المراحل.
عندما أعرف أن فلانا قتل أبي، فقد لا أتمالك نفسي، وأتجه إلى قتل هذا الشخص. غضبت لأنه قتل أبي، وبقاءه حيا أمر يناقض العدالة كما هي مترسبة في وجداني، من هنا أغضب... ويتحول غضبي إلى عنف، لأني أسعى إلى تطبيق العدالة بيدي بدلا من اللجوء للسكة الطويلة التي تسمى محاكمة.
فالقضية هنا ليست تنفيسا عن الاحساس بالغضب، فقد يمكن تحقيق ذلك بضرب الجدار، لكن تحول الغضب إلى عنف هو سعي "لإعادة التوازن لميزان العدالة".
إن محاولة معالجة الانسان من هكذا غضب، لا يعني شيئا سوى تجريده من انسانيته.

إن قتل الأخت، ليست مسألة بسيطة جدا. ويحتاج أحدنا ليقوم بهذا الفعل لدافع بحجم "تحقيق العدالة". وحدها العدالة وتحقيقها، التي يستطيع من خلالها فرد ما أن يستمرئ قتل شقيقته.

فكل الذي قام به هذا الفتى هو تحقيق العدالة. وإخلاصه للعدالة هذا هو الذي أدى به لقتل أختيه.
تماما، عندما يقوم آخر بقتل رجل مرتد عن دينه تطبيقا لما يراه عدالة.
كل الذي فعله هو "افتئات" على السلطة، أي أنه لم يترك العدالة تأخذ مجراها بل أعماه الغضب ليجعله ينتدب نفسه لتحقيق هذه العدالة.
هذا الافتئات مرده التفسير الخاص للعدالة وتطبيقه دون الالتفات لوجود الدولة...

وهناك فعلا من يرى أن خطأ هذا الفتى الوحيد أنه قام بالقتل دون اذن من الدولة. أي أنهم يتفقون معه في عدالة فعله، لكنهم يختلفون معه في "قانونيته". فأقصى ما يمكن أن يكونه هذا الفتى عند فئات عريضة من المجتمع، أنه "خارج على القانون".. أشبه ما يكون بعروة بن الورد أو روبن هود أو زورو، أي أولئك الذين يجدون تعارضا بين تطبيق القانون وتحقيق العدالة، فيخرقون القانون من أجل تحقيق العدالة.

لكن نحن الذين تشبعنا بفلسفة الأنوار وبحقوق الانسان وبالقيم الحديثة والمعاصرة، نحن "المتنورين" كما يحلو لنا تسمية أنفسنا، نرى في مثل هذا الفعل أشد الظلم، وأشنع جريمة، وتدنيسا لمعنى العدالة!

إننا نحن لا نستطيع قبول المتاجرة بالبشر والعبودية في زمننا الحديث هذا. ولكن عندما نقرأ في الأزمنة القديمة وجود مثل هذه العبودية فإننا لا نشعر بنفس الاحساس الذي نشعر به فيما لو كانت هذه العبودية معاصرة.
مثل العبودية، مثل عدم القبول بتعليم النساء، مثل هذه القضايا كثيرة، التي نتفهم حدوثها في الماضي، لكن نرفض تماما ونحاول محاربتها في الحاضر. مثل هذه كلها، قضية قتل الاخت لأنها أتت فحشا.

إن هذا التغير في المواقف، هو تعبير عن تحولات اجتماعية جوهرية، هي التي تجعل في المجتمع الواحد من يرى في قضية الشرف: قضية عادلة، وآخر يراها من أشنع الظلم.
وهذه التغيرات ستكون حديثنا فيما بعد...

الأحد، أغسطس 16، 2009

بؤس التفسير البنيوي

(6)


إثبات أن مسألة ما "عالمية" أي "عابرة للعرقيات والأديان والثقافات" قد يخلصنا من أي رؤية تربطها بخصوصية ما، لكن قد يوقعنا في مطب "بنيوي".

لنوضح أكثر، لا يمكن أن يأتي أحد ويقول أن الأفارقة فقراء لأنهم سود، أو لأنهم "وثنيين". فالفقر ظاهرة عالمية. لكن هل كونه عالمي يعني أن له علاج واحد في كل مكان؟

في الحقيقة هناك من رأى - كالمدرسة الاقتصادية الانجلو-سكسونية- في "الفقر" ظاهرة "طبيعية"، أي أنه لا علاج له، فوجوده ضرورة في كل مجتمع، لا يمكن أبدا استئصاله. والانطلاق من "طبيعية" الفقر يجعل موقفنا منه أحد أمرين: إما محاولة "التخفيف من أثره" عبر التبرعات، إذ إن التبرع لا يحل الفقر بقدر ما يقلل من أثره.. أو تقبله باعتباره أمرا ضروريا... وأعتقد أن هربرت سبنسر كان يعتبر الذين يتصدقون بأموالهم يعيقون عمل الطبيعة والتطور.

هل هو مالتوس الذي ربط الفقر بشحة الموارد؟ ليخلص إلى أن "التوالد" هو سبب فقر الفقراء؟ لا أذكر، ولا يهم من هو، ولكن أطروحته هذه جديرة بالاهتمام. يقول لو فرضنا أن لدينا مزرعة بطاطا، تنتج ما يكفي ٥٠ انسانا. ولدينا ٥٠ انسانا، فلن نجد من بين هؤلاء فقيرا واحدا. لكن ولأن البشر يتوالدون بدون تفكير، فقد يزدادون عن الـ٥٠، وبالتالي يكونون هم سبب بؤسهم وفقرهم. الفقر نتيجة طبيعية لكون البشر يتوالدون دون وعي.

تحويل الظاهرة إلى ظاهرة "عالمية" لا يجعل منها "طبيعية"، لأن تحويلها إلى "طبيعية" يجعلها بلا حل. هذا ما فعله ماركس بالنسبة للفقر... فكان إنجازه العظيم أن سك مصطلح "الاستغلال". الفقراء: فقراء لأنه تم استغلالهم من آخرين، لا لأنه لا يوجد ما يكفيهم. تحول الفقر على يدي ماركس من ظاهرة "طبيعية" إلى ظاهرة اقتصادية-سياسية، بل إلى ظاهرة ثورية. فإن كان سبب الفقر هو الاستغلال، والمستغلين هم طبقة "مسيطرة". فالحل هو لا شيء آخر سوى الثورة!

عندما انتشرت تحليلات ماركس للنظام الرأسمالي- سبب الفقر- تم التعامل معها بـ"بنيوية". أي تم اعتبار أن الحلول المقدمة عن النظام في بريطانيا، قابلة للتطبيق في روسيا، حيث النظام الاقتصادي اقطاعي أكثر منه صناعي. تم تجريد النظام والنقد، تحولا إلى بنية متعالية على التاريخ والجغرافيا، على المكان والزمان. هذا التعامل البنيوي مع الظواهر العالمية، هو الذي يجعل التعامل معها كظواهر عالمية أسوأ بكثير من لو تم ربطها بخصوصية محلية.

فالتفكير في الظواهر المحيطة بنا لا بد أن يتجرد من الجوهرانية عبر التأكيد على العالمية، ولا بد أن نتحرز من اعتبار كونها عالمية مرادف لاعتبارها "طبيعية"، ولابد بعد احترازنا هنا ألا نخلط بين الظاهرة كبنية عالمية وبين تعينها في المكان والزمان، الذي يختلف من نقطة لأخرى.

الفقر موجود في السعودية وفي أمريكا. هو إذن ليس ظاهرة مرتبطة بعرق ما أو دين ما أو ثقافة ما. هو ظاهرة عالمية. الفقر ليس ظاهرة طبيعية، إذن له أسباب تاريخية، وبالتالي له حلول. أخيرا، أسباب وجود الفقر في السعودية لا تتطابق بالضرورة مع أسباب وجوده في الولايات المتحدة، وبالتالي حلوله هنا ليست كمثل حلوله هناك.

نفس الأمر بالنسبة لجرائم الشرف. فكون هذه الظاهرة "عالمية"، لا ترتبط بثقافة أو دين بعينه. لا يجعل لها حلا واحدا في كل مكان، والتعامل معها كبنية عامة، لا ينبغي الخلط بينه وبين تحققها في تاريخ مجتمع ما أو دولة ما.

بعد توضيح كل مآزق طرق التفكير السابقة، علينا الآن أن نعود إلى موضوعنا الأساسي ونطرح الأسئلة:
ما الذي يجعل الأخ يقتل أخته لأنه اقترفت منكرا؟
وما الذي يمكن فعله لمحاربة هذه الظاهرة؟

الجمعة، أغسطس 14، 2009

هل هي اشكالية إسلامية؟

(٥)

أفضل طريقة للتخلص من تحويل "قتل الاختين" إلى نتيجة "طبيعية" و "متوقعة" انطلاقا من رؤيتنا الخاصة لثقافة المجتمع، أفضل طريقة هي التأكيد على أن هذه الظاهرة "عالمية".

فهذه الجرائم، تحدث في مجتمعات متباينة ومختلفة. تحدث في السعودية كما تحدث في الاردن وتحدث في مصر كما تحدث في فلسطين (في غزة والضفة كما في داخل اسرائيل). وتحدث عند عرب المشرق كما تحدث عند عرب المغرب. وتحدث عند العرب كما تحدث عند الكرد والاتراك والباكستانيين. وتحدث في دول من العالم الثالث كما تحدث في دول أوروبية بين جاليات قادمة من بلدان هذا العالم.

التحول نحو العالمية، قد لا يخلصنا من الرؤية "الجوهرانية"، بل قد يحولها من ربطها بجوهر محلي إلى جوهر عالمي، أي إلى دليل على أن جرائم الشرف "إسلامية". في الإعلام الغربي، وفي المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، نجد هذا النزوع نحو اعتبار جرائم الشرف "مشكلة إسلامية". عندما احتز مزمل حسن رأس زوجته آسيا حسن في أمريكا، وأحدث قتلها ضجة اعلامية هناك، كتبت إحدى النسويات قائلة: "كيف يكون احترام الاسلام، الدين الذي يكف عن أن يكون فقط دين، بل أيديولوجية سياسية شمولية لم تتطور منذ ١٤٠٠ عام، كيف يجعل هذا الاحترام لهكذا دين خطرا على النساء وباقي البشر؟". آخر يحلل هذه القضية، لكن بتذاكي أكثر، ليقول لنا: "أن جرائم الشرف لا تستمد جذورها من القرآن بما هو قرآن، بل تستمد جذورها من التقاليد والتراث الاسلامي التاريخي والحضاري".

ولكن أليس كل هذا هراء وكلام بلا معنى؟

نستطيع تحطيم هذه النظرة التبسيطية بالإشارة إلى مسألتين اثنتين:

الأولى، تعتبر البرازيل، وهي قطعا ليست دولة إسلامية، "عاصمة جرائم الشرف". كان قتل الرجل لزوجته في البرازيل يمكن الدفاع عنه قانونيا باعتباره "دفاعا عن شرفه". في سنة ١٩٩١ فقط، منعت المحكمة البرازيلية العليا استخدام "الدفاع عن الشرف" كمسوغ أو تبرير لتبرئة من قتل زوجته.
والغريب في الأمر أنه في البرازيل وأمريكا اللاتينية عموما يتم ربط جرائم الشرف بالكاثوليكية.
إن الفكر الغربي، ومنذ محاولة ماكس فيبر تفسير الرأسمالية بالاخلاق بالبروتستانتية، أصبحت تتنامى لديه هذه الآلية الحمقاء في التفسير.
لكن الربط بالكاثوليكية ليس طاغيا كما هو حالة الربط بالاسلام، بل نجد أبحاثا تحاول النظر للمسألة في تاريخيتها، في مراحلها المتعددة: الاستعمارية، وبناء الأمة،...إلخ.

القضية الثانية، هي تلك الواقعة التاريخية المرتبطة بالإمبراطورية العثمانية. ففي عهد التنظيمات، وعندما قرر العثمانيين إجراء تحديثات في البلاد وصياغة دستور، تم كتابة هذا الدستور اعتمادا على القوانين الفرنسية والايطالية. وكان "قانون العقوبات الفرنسي" النابليوني المصدر عام ١٨١٠، هو أحد أهم مصادر قانون العقوبات. ومن هذا القانون، وبالنسخ الحرفي، تم نقل المادة المتعلقة ب"العذر المحل" الذي يبيح لرجل ارتكب جريمة ضد أصوله أو فروعه أو أخواته أو زوجته لأنها وجدها في وضع مخل بالشرف أن يعفى عن العقوبة.
هذه المادة التي ورثتها عن الدولة العثمانية، كل من سوريا والاردن ولبنان وغيرهم، أصولها وجذورها ومصدرها يعود إلى هذه القوانين الأوروبية، لا إلى أي مصدر إسلامي... والحقوقيين الاردنيين، المطالبين بإلغاء هذا القانون، يحاربونه بأدلة شرعية إسلامية، كحديث سعد بن معاذ الذي أقسم بأنه لو وجد امرأته تخونه لقام بقتلها، فأجابه الرسول بأنه سيقاد بها. تجدر الاشارة ان هذه المادة لم تلغى من القانون الفرنسي إلا عام ١٩٧٥.

الخميس، أغسطس 13، 2009

عن الجوهرانية

(٤)


أرى أني محتاج لتوضيح موقفي من "الجوهرانية".
كل رؤية تفترض في الشيء خصائص جوهرية ثابتة فيه، بها ينتمي هذا الشيء للاسم الذي ينتمي إليه، فهذه رؤية جوهرانية.
مثال، ما هو البدوي؟ عندما نتبنى إجابة ثابتة على هذا السؤال بالانطلاق من خصائص محددة، بها نستطيع تحديد البدوي عن غيره، هذه الخصائص هي حقيقة البدوي، حقيقته التي لا يستطيع أن يفر منها أبدا، ملازمة له... هي جوهره. يستطيع إخفاءها، يستطيع التحايل عليها، لكنها في النهاية هي حقيقته، ولابد أن تتجلى في أفعاله، أو لا وعيه...إلخ.

هذه النظرة تمتد من "المثل الافلاطونية" و تعريف "الحد" عند أرسطو، ولا تتوقف إلا عند هيجل والمحافظون الجدد.

هذه الرؤية هي المعين الذي منه تنهل كل العنصريات. فالنازيين أحرقوا اليهود بما هم يهود، أي لأنهم افترضوا أن لليهودي "جوهر" ثابت لا يتغير معه، وبالتالي حكمنا على الجوهر هذا يمكن تعميمه على كل يهودي، فقط لأنه يهودي.
وبعد شنائع النازية، اضمحلت كل النظريات العنصرية والعرقية، وتحولت "الثقافة" مكانها. أصبح التعامل مع الثقافات، والحضارات، تعاملا جوهرانيا، أي افتراض أن له جوهر ثابت يطبع كل المنتمين لهذه الثقافة بطابعه. هكذا أصبح الإسلام والكونفوشوسية حضارات لها حقيقة ثابتة، ثقافات مسيطرة، "ذهنية" لا يملك المنتمي لها عنها انفكاكا.
هذه النظرة إذا انطلقنا منها، سنصل حتما لنتائج من قبيل: استحالة تقبل المسلم للثقافة الغربية، التي ينظر لها بجوهرانية هي الاخرى فتعتبر "عقلانية إنسانية"...إلخ. أو أن العنف والاستبداد متناسب مع بل هو أحد خصائص الثقافة العربية.


أنا أرفض هذه الرؤية. لأني أعتقد أنه يستحيل وجود "نظرية علمية نهائية". وأعتقد أن هناك دوما فجوة بين ما نعرفه عن الشيء وبين "الشيء-في-ذاته" كما تحدث يوما عمانويل كانط. أنا لا أنكر أن للأشياء جوهر أو ماهية، لكن أعتقد أن ادعاء المعرفة التامة بهذه الماهية وهذا الجوهر مستحيلة، وكل الذي يستطيعه العلم هو محاولة الاقتراب من هذا الجوهر وهذه الماهية.

أعتقد وجود هذه الاستحالة في أجزاء الطبيعة، وبالتالي وجودها آكد بما يتعلق بالظواهر الانسانية. كل ما نملكه هو معرفة آنية، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالظروف المحيطة بالحدث، ومحدودة بها، لا بمعرفة جواهر تتعالى على الزمان والمكان.

ومن هنا رفضي تفسير الأشياء بثقافة المجتمع "البدوية" "المتشددة"، لأن هذا التفسير يتعامل مع هذه الثقافة بشكل نهائي، يستخدمها للتفسير في الوقت الذي تحتاج هي فيه أن تفسر. لا أنفي وجود الثقافة، ولا أنفي أهميتها في التفسير والتغيير والحل، لكن أرفض التعامل معها كسبب أو نتيجة بعد تجريدها من سياقاتها التاريخية.

الأربعاء، أغسطس 12، 2009

هل المجتمع هو السبب؟

(٣)

في الستينات الميلادية، ارتفعت أصوات السود في الولايات المتحدة الأمريكية في المطالبة بحقوقهم المدنية ومساواتهم بالبيض. كان هناك بيض يشتركون مع السود في مظاهراتهم صارخين "نحن جميعا مذنبون". تعلق حنة أرندت على هذا الوضع قائلة: " نحن جميعا مذنبون تعني أن ليس هناك مذنب، إن الإعتراف بالخطيئة الجماعية لهو أفضل طريقة ممكنة للحيلولة دون اكتشاف المذنبين الحقيقين".

نستطيع أن نقول نفس الكلام على من يحمل "المجتمع" و"ثقافته الصحراوية المتخلفة"... جريرة قتل الفتاتين. هو في النهاية عندما يحمل المجتمع كله وزر الجريمة، فهو يبرئ الجميع.

لا يختلف هذا الرأي عن الرأي الذي لا يرى في الأمر جريمة، بل يعتبر ما فعله القاتل عين الصواب. كلاهما يحكم على الفعل من خلال علاقته بما يتصوره "ثقافة المجتمع". فمن يرفض هذه الثقافة، يجد هذا الفعل مناسبة للشتم، ومن يحامي عنها، يضطر للمحاماة عن الجريمة... تنقل المسألة من كونه "أخ قتل أختيه"، إلى مسألة ثقافية لا نهاية لها.

كما أن تحميل الجريمة لمفهوم اسمه "المجتمع وثقافته" لا يفتح أي أفق للحل. أو أن الحلول ستكون من جنس انتظار "مجتمع جديد" سيظهر في السنين القادمة.
إن هذا الحل لا يطرح المشكلة في إطارها الصحيح. وهذا الاطار هو التالي: كيف نحمي "الأخوات" من "إخوتهم"؟
صاحب رؤية "المجتمع هو المشكلة" لا يملك حلولا، وإنما أماني، أماني أن يأتي الله من أصلاب المجتمع الحالي مجتمعا لا تجد الأخوات فيه مشكلة مع إخوتهم.

إذن "رفضة الهيئة" ينظرون للحادثة كمناسبة لصب جام غضبهم ضد الهيئة.
و "رفضة المجتمع وثقافته" ينظرون للحادثة كمناسبة لشتم هذا المجتمع.
في كلا الحالتين ينظر للأمر على أنه "مناسبة" يتم استخدامها لمعارك لا علاقة بها. والمطلوب هو التعامل مع الحادثة: كحادثة، أي عبر التعامل معها في مجالها السياسي والاجتماعي.
هذا الاخ لم يقتل أختيه في الصحراء، لم يقتلهما في الغابة، حيث لا وجود لدولة، بل قتلهما داخل دولة.
في هذا الاطار يصبح التفكير في هذه الحادثة، هو تفكير بالدولة، بعلاقتها بالمجتمع والافراد...
باعتقادي هذا التفكير هو وحده الذي يستطيع توليد حلول تحمي "الأخوات" من "إخوتهم".

أمر أخير نختم به نقدنا لمن يحملون المجتمع جريرة ما حدث، وهو الأمر الذي سنفتتح به المداخلة القادمة: أن "جرائم الشرف" ليست ظاهرة سعودية، بل تحدث في الأردن وسوريا ومصر والمغرب، وهي ليست ظاهرة عربية حتى لا يقال أن المشكلة في العرب، بل تحدث في تركيا وباكستان، وهي ليست ظاهرة إسلامية أيضا حتى لا يقال أن المشكلة في المسلمين... وبالتالي تحميل "المجتمع" مسؤولية الحدث ينطلق من افتراض "خصوصية" هذا المجتمع أو افتراض جوهر كامن هو حقيقة هذا المجتمع، تتجلى عبر هذه الجرائم والظواهر.